الآلوسي
169
تفسير الآلوسي
ما يدل على علو شأنها والأمر غنى عن البيان * ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) * قال الواسطي : أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي . وقال يحيى بن معاذ : إن الله سبحانه لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل فقال سبحانه : * ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) * ( هود : 114 ) وقال تعالى : * ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) * ( الفرقان : 70 ) ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المشار إليها وإذهاب الحسنات السيئات ذكرى للذاكرين تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع الله تعالى في الصفاء والجمعية والأنس والذوق * ( واصبر ) * بالله سبحانه في الاستقامة ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير * ( إن الله لا يضيع أجر المسحنين ) * ( هود : 115 ) الذين يشاهدونه في حال القيام بالحقوق * ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ) * ( هود : 116 ) فيه حض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر * ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) * ( هود : 117 ) قيل : القرى فيه إشارة إلى القلوب * ( وأهلها ) * إشارة إلى القوى * ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) * متساوية في الاستعداد متفقة على دين التوحيد * ( ويزالون مختلفين ) * ( هود : 118 ) في الوجهة والاستعداد * ( إلا من رحم ربك ) * بهدايته إلى التوحيد وتوفيقه للكمال فإنهم متفقون في المذهب والمقصد متوافقون في السيرة والطريقة قبلتهم الحق ودينهم التوحيد والمحبة وإن اختلفت عباراتهم كما قيل : عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير * ( ولذلك ) * الاختلاف * ( خلقهم ) * وذلك ليكونوا مظاهر جماله وجلاله ولطفه وقهره ، وقيل : ليتم نظام العالم ويحصل قوام الحياة الدنيا * ( وتمت كملة ربك أي أحكمت وأبرمت * ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) * ( هود : 119 ) لأن جهنم رتبة من مراتب الوجود لا يجوز في الحكمة تعطيلها وإبقاؤها في كتم العدم مع إمكانها * ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) * لما اشتملت عليه من مقاساتهم الشدائد من أممهم مع ثباتهم وصبرهم وإهلاك أعدائهم * ( وجاءك في هذه ) * السورة * ( الحق ) * الذي ينبغي المحيد عنه * ( وموعظة وذكرى للمؤمنين ) * ( هود : 120 ) وتخصيص هذه السورة بالذكر لما أشرنا إليه ، وقيل : للتشريف ، وإلا فالقرآن كله كذلك ، والكل يغرف من بحره على ما يوافق مشربه ، ومن هنا قيل : العموم متعلقون بظاهره . والخصوص هائمون بباطنه . وخصوص الخصوص مستغرقون في تجلى الحق سبحانه فيه * ( ولله غيب السماوات ) * على اختلاف معانيها * ( والأرض ) * كذلك * ( وإليه يرجع الأمر كله ) * أي كل شأن من الشؤون فإن الكل منه * ( فاعبده ) * اسقط عنك خظوظ نفسك وقف مع الأمر بشرط الأدب * ( وتوكل عليه ) * الا تعمتم بما قد كفيته واهتم بما ندبت إليه * ( وما ربك بغافل عما تعملون ) * ( هود : 123 ) فيجازي كلا حسبما تقتضيه الحكمة والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره . انتهى ما وفقنا له من تفسير هود بمنّ من بيده الكرم والجود ، ونسأله سبحانه أن ييسر لنا إتمام ما قصدناه ، ويوفقنا لفهم معاني كلامه على ما يحبه ويرضاه ، والحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده ، وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه ، ما غردت الأقلام في رياض التحرير ، ووردت الأفهام من حياض التفسير .